منتدى العلوم القانونية و الإدارية
السلام عليكم
متوفر منصب مشرف للمنتدى (مقابل أجرة شهرية)،
 يرجى مراسلة الادارة العامة، برسالة تحتوي على الاسم، اللقب، الايمايل، المستوى الدراسي،
 رابط موضوع نشرته بأحد أقسام المنتدى، الموضوع يجب أن يكون حصريا و غير منقول.
عمل المشرف:
-مراقبة وتجديد الروابط الغير شغالة.
-حذف المواضيع الاعلانية العشوائية.
-كتابة مواضيع جديدة والرد على تساؤلات الأعضاء.
للمزيد من المعلومات، راسلنا عبر نظام الاتصال بنا.

منتدى العلوم القانونية و الإدارية

منتدى البحوث و المحاضرات والكتب و المكتبات الخاصة بطلبة العلوم القانونية و الإدارية
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
.
شاطر | 
 

  تفسير الآيات العشرين الأولى من سورة البقرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رحمون
عضـو جديــد


ذكر
عدد الرسائل : 5
العمر : 25
الموقع : http://games-net.forums1.net
البلد : الجزائر
تاريخ التسجيل : 20/03/2010

مُساهمةموضوع: تفسير الآيات العشرين الأولى من سورة البقرة   الأحد يوليو 11, 2010 2:42 pm


الحمد لله رب العالمين.. خلق اللوح والقلم.. وخلق الخلق من عدم..

ودبر الأرزاق والآجال بالمقادير وحكم.. وجمل الليل بالنجوم في الظُلَمّ....

الحمد لله رب العالمين.. الذي علا فقهر.. ومَلَكَ فقدر..

وعفا فغفر.. وعلِمَ وستر.. وهزَمَ ونصر.. وخلق ونشر.

اللهم صلى على نبينا مُحمد.. صاحب الكتاب الأبقى.. والقلب الأتقى..


والثوب الأنقى.. خير من هلل ولبى.. وأفضل من طاف وسعى.. وأعظم من سبح ربهُ الأعلى.

اللهم صلى على نبينا مُحمد.. جاع فصبر.. وربط على بطنه الحجر..

ثم أعُطى فشكر.. وجاهد وانتصر ... وبعد ...


تفسير الآيات العشرين الأول من سورة البقرة


[size=21]1 - تمهيد [/size]
هذه
السورة الثانية في المصحف ، تسمى سورة البقرة ؛ لأن الله - سبحانه وتعالى
- ذكر فيها قصة البقرة التي أُمِرَ بنو إسرائيل بذبحها لمعرفة قاتل القتيل
الذي اشتبهوا في قاتله .

وهذه سورة عظيمة تضمنت علومًا غزيرة في
العقيدة والأحكام وقصص الأمم السابقة وغير ذلك . وقد حث النبي - صلى الله
عليه وسلم - على تعلمها ، فقال : تعلموا سورة البقرة ؛ فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا يستطيعها البطلة أي : الشياطين لا يستطيعون البقاء في المكان الذي تُقرأ فيه هذه السورة ؛ كما جاء في الحديث : إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة .

ومعنى
تعلمها وأخذها : تعلم قراءتها على الوجه الصحيح ومعرفة معانيها وتفسيرها ،
وليس المراد مجرد القراءة ، أو تعلم القراءة فقط ، إنما المراد تعلم
قراءتها وتعلم معانيها حتى يعمل بها ، ولهذا يقول أحد الصحابة : ( كنا لا
نتجاوز عشر آيات حتى نتعلم معانيها والعمل بها ، قال : فتعلمنا العلم
والعمل جميعًا )
هذا هو المقصود من تعلم البقرة وغيرها من القرآن ، تعلم القراءة على الوجه
الصحيح ، وتعلم المعاني والتفسير ، بقصد العمل والامتثال .

قوله
تعالى : { الم } : افتتح الله هذه السورة بقوله : { الم } ، وهي من الحروف
المقطعة ، افتتح الله بها كثيرًا من السور ، ومن هذه الحروف : { المص } ، { المر } ، { حم } ، { كهيعص } ، { طه } ، { يس } ، { ق } ، { ص } ، { حم . عسق } .

وقد اختلف العلماء فيها على أقوال ، نكتفي منها بقولين :

القول
الأول : ذهب الجمهور إلى أنها تمر كما جاءت ؛ لأنها مما استأثر الله -
تعالى - بعلمه فلا يبحث عنها ؛ لأنه لا دليل على البحث فيها وتعيين المراد
منها .

القول الثاني : إن هذه الحروف إشارة إلى إعجاز القرآن ،
وأن الله - سبحانه وتعالى - أنزل هذا القرآن مكونًا من هذه الحروف التي
ينطق بها العرب ويتخاطبون بها ، ومع هذا لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا
القرآن أو مثل سورة أو آية منه ، فهذا إشارة إلى الإعجاز ؛ ولهذا - في
الغالب - إذا جاءت هذه الحروف يأتي بعدها ذكر القرآن ، كما في هذه السورة
: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ، وقوله في أول الأعراف : المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ وقوله : ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ، وقوله : ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ، وقوله : الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ
، إلى غير ذلك . وهذا يدل على الإعجاز ، وهو أن القرآن مركب من مثل هذه
الحروف ، ومع هذا عجزتم عن الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه . وهذا القول
وجيه ، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره .

قوله تعالى : ذَلِكَ الْكِتَابُ
ذا اسم إشارة ، واللام للبعد ، والكاف حرف خطاب . أشار إلى الكتاب الذي هو
القرآن إشارة تعظيم وإجلال ، أي الذي لا يشبهه غيره ، فهو أعظم كتاب نزل
من الله سبحانه وتعالى .

ثم قال : لَا رَيْبَ فِيهِ : نفى عنه الريب ، والريب : الشك ، فلا يتطرق إليه شك ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا

وقوله تعالى : هُدًى لِلْمُتَّقِينَ
هذه صفة ثانية للقرآن ، والهدى معناه : الدلالة والإرشاد إلى الطريق
الصواب ، فالقرآن فيه دلالة وإرشاد إلى طريق الحق وطريق الجنة . والهدى -
كما ذكرنا - ينقسم إلى قسمين : هدى دلالة وإرشاد ، وهدى توفيق وإلهام ، أو
هداية القلوب ، فهذا القرآن هدى للمتقين .

والمتقون : جمع
متًَّقٍ ، وهو : من اتصف بالتقوى ، والتقوى : أن تجعل بينك وبين غضب الله
وعذابه وقاية تقيك منه ، وذلك بطاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه
وسلم - وعرف العلماء التقوى بأنها : أن تفعل ما أمرك الله على نور من الله
ترجو ثواب الله ، وأن تترك ما نهى الله عنه على نور من الله تخاف من عقاب
الله . هذه هي التقوى ، وحاصلها : أن تجعل بينك وبين المكروه وقاية ، بحيث
لا يصل إليك ، فإن لم تحصل لك هذه الوقاية فإنك لا شك متوعد بالعذاب .

لماذا خص المتقين بالذكر مع أنه هداية لجميع الناس ؟ كما قال في أثناء هذه السورة : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ
أي : لجميع الناس ، بمعنى : أنه دل الناس على الخير ، فمن أراد الخير وجده
، ومن أعرض قامت عليه الحجة ؛ لأن الله هدى جميع الناس ، بمعنى أنه بيَّن
لهم ودلهم وأرشدهم ، فمنهم من انتفع ، ومنهم من لم ينتفع .

والجواب
: أنه إنما خص المتقين ؛ لأنهم هم الذين انتفعوا به واهتدوا به . وأما
غيرهم فإنما قامت عليهم الحجة وانقطعت معذرتهم ، حيث لم يبق لهم عذر عند
الله سبحانه وتعالى .



[size=21]2 - أقسام الناس أمام هداية القرآن [/size]

ثم لما ذكر أن هذا القرآن هدى ، قسم الناس أمام هداية القرآن إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : الذين آمنوا به ظاهرًا وباطنًا وامتثلوا أحكامه أمرًا ونهيًا .

القسم الثاني : الذين كفروا به ظاهرًا وباطنًا .

القسم الثالث : الذين آمنوا به ظاهرًا وكفروا به باطنًا .

القسم الأول : هم المتقون ، وذكر الله فيهم ثلاث آيات هي :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ
إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

هذه ثلاث آيات ، تتضمن خمس صفات لهؤلاء :

الصفة الأولى : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
أي : يصدقون بما أخبر الله أو أخبر رسوله عنه من الغيوب التي لم يروها ،
وإنما صدقوا بها اعتمادًا على خبر الله وخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم -
.

والغيب : كل ما غاب عن الناس ولم يشاهد من الأمور الماضية ،
والأمور المستقبلة ، ومن العوالم الأخرى التي لم يروها وإنما أخبر الله
عنها . وأول الإيمان بالغيب : الإيمان بالله - سبحانه وتعالى - وبأسمائه
وصفاته ؛ ذلك لأن المؤمنين لم يروا ربهم في هذه الدنيا ، وإنما آمنوا به
وعرفوه بآياته الكونية ، وهي مخلوقاته التي تشاهد في هذا الكون دالة على
وجوده وعظمته ، وبآياته القرآنية المتلوة في كتابه المنزل ، وقبل ذلك
عرفوه بالفطرة السليمة التي فطر الناس عليها ، والله - تعالى - هو الدليل
على كل شيء ، ولا يحتاج إلى دليل على إثباته ، إلا من فسدت فطرته واجتالته
الشياطين .

ومن الإيمان بالغيب : الإيمان بالملائكة ، وهم من المخلوقات التي يؤمن بها العبد ولم يشاهدها .

وكذلك
الإيمان بالجن ( العالم الثاني مع الإنس ) فيؤمن بهم العبد وإن لم يرهم ؛
لأن الله أخبر عنهم وأخبر عنهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

وكذلك
الإيمان بالغيوب الماضية ، مثل أخبار الأمم السابقة ، فالمؤمنون بذلك ما
شاهدوا آدم ونوحًا وإبراهيم والأنبياء وأقوامهم كعاد وثمود ، لكن الله
أخبر عنهم ، وأخبر عنهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهم يؤمنون بذلك .

وكذلك
الغيوب المستقبلية في آخر الزمان مما يكون قبل الساعة من الأشراط
والعلامات وعذاب القبر ونعيمه ، وما في الآخرة من البعث والحساب والصراط
والميزان والحوض والجنة والنار والحشر ، فيؤمنون به ويصدقون ؛ لأن الله -
جل وعلا - أخبر به وأخبرت به الرسل - عليهم الصلاة والسلام - .

فهم
يؤمنون بالغيب سواء أدركته عقولهم أم لم تدركه ، والإيمان بالغيب مبني على
التسليم لله ؛ لأن الغيوب لا يُتوصل إليها بالعقل وإنما طريقها الإخبار .
أما الذي لا يؤمن إلا بما يوافق عقله ، وما يخالف عقله رفضه ، فهذا ليس
بمؤمن ؛ قال تعالى عن هؤلاء :
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ
تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
وأعظم منه ظلمًا وكفرًا الذي لا يؤمن بالغيب أصلا ولا يصدق إلا بما يرى من
المحسوسات ، فهذا ملحد معطل كافر بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .
والذي لا يؤمن بالغيب لأن عقله لم يدركه هذا غير مؤمن ولم يسلم لله -
تعالى - ولرسوله ، والعقل له طاقة محدودة ، وهناك أمور لا يدركها ولا
يطيقها ، وإنما يدرك بقدر طاقته فقط .

الصفة الثانية : وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
: الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام ، وقال : وَيُقِيمُونَ :
ولم يقل : ويصلون ؛ لأنه ليس المقصود من الصلاة صورتها ، وإنما المقصود
إقامتها .

ومعنى إقامتها : الإتيان بها كما شرع الله - سبحانه
وتعالى - بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها ، وهذه إقامة ظاهرة ، ولا بد
مع ذلك من إقامتها باطنًا ، وذلك بالخشوع فيها وحضور القلب .

فإقامة الصلاة نوعان :

1 - إقامة ظاهرة : وذلك بالإتيان بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها .

2
- وإقامة باطنة : وهي حضور القلب وخضوعه فيها ، فإن من صلى بدون خشوع ولا
حضور قلب فإنه لا يكتب له من الأجر إلا بمقدار ما عقل من صلاته وخشع فيه ،
ولو أقامها ظاهرًا بشروطها وأركانها ، فإن المعول عليه الإقامتان معًا .

الصفة الثالثة : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
والقرآن - غالبًا - يذكر الإنفاق والصدقة مع الصلاة ؛ لأن الصلاة إحسان
فيما بين العبد وبين ربه ، والإنفاق إحسان فيما بين العبد وبين الناس .
فهم يحسنون فيما بينهم وبين الله بإقام الصلاة ، ويحسنون فيما بينهم وبين
الخلق بالإنفاق .

وقوله : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
" من " : تبعيضية ، أي : بعض ما رزقناهم ؛ لأنه ليس المطلوب أن تنفق كل
مالك ؛ بل المطلوب أنك تنفق بعض مالك ، ولهذا عبر بمن التبعيضية .

و
" ما " : موصولة بمعنى الذي ، وقوله : رَزَقْنَاهُمْ : فيه إشارة إلى منة
الله عليهم ، وأن المال لم يحصل لهم بحولهم وقوتهم ومعرفتهم ، وإنما رزقهم
الله إياه ، فالفضل فيه لله سبحانه وتعالى .

يُنْفِقُونَ :
الإنفاق في اللغة : الإخراج ، سمي التصدق إنفاقًا ؛ لأن الإنسان يخرجه من
ماله ، يقال : نفقت الدابة إذا ماتت وخرجت روحها ، وسميت النفقة نفقة
لأنها تخرج من المال ، ومنه النفاق وهو الخروج من الإيمان . فمعنى
يُنْفِقُونَ : يخرجون من أموالهم الصدقة الواجبة كالزكاة والكفارات ،
والنفقة على الزوجة والأولاد والأقارب . ويخرجون أيضًا الصدقة المستحبة ،
صدقة التطوع ، كالصدقة على المحتاجين وفي سبيل الله سبحانه وتعالى .

وقال : يُنْفِقُونَ : ولم يذكر المنفق عليه ؛ ليعم كل وجوه الإنفاق التي أمر الله - جل وعلا - بالإنفاق فيها .

الصفة الرابعة : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
: هذا في الذين آمنوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - من أهل الكتاب ؛ حيث
آمنوا بالكتابين ، هؤلاء يعطيهم الله أجرهم مرتين ؛ قال تعالى :
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا
يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ وقال تعالى :
وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ
رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ
أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا
يؤتيهم الله أجرهم مرتين : أجرًا على الإيمان السابق ، وأجرًا على الإيمان
اللاحق . وقال - تعالى - في آية أخرى يخاطب هؤلاء المؤمنين :
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا
تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

فقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني : القرآن . وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أي : من الكتب السابقة . فالذين أدركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به كالنجاشي وعبد الله بن سلام وغيرهم من الذين آمنوا بالرسل السابقين ، ثم آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .

الصفة الخامسة : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
: الآخرة : يوم القيامة ، سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا . والدنيا سميت
بذلك لأنها اليوم الأدنى . وهذا الوصف داخل في الإيمان بالغيب المتقدم في
قوله : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، وإنما أعاد ذكره اهتمامًا وتأكيدًا للإيمان به ، ولأن من آمن باليوم الآخر استعد له بالعمل الصالح والتوبة من الأعمال السيئة .

والإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة .

هذه خمسة أوصاف للصنف الأول : الذين آمنوا بالقرآن ظاهرًا وباطنًا .

ثم بين - سبحانه وتعالى - جزاءهم فقال : أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ، هذا في الدنيا ، أي : يسيرون على طريق صحيح واضح لا اعوجاج فيه . وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، يعني : في الآخرة بالجنة . والفلاح هو : الفوز والحصول على الأجر العظيم . وحصر الفلاح فيهم بقوله : وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وأما غيرهم فلا فلاح ولا صلاح لهم . هذا القسم الأول .

القسم الثاني : الذين كفروا بالقرآن ظاهرًا وباطنًا ، وفيهم آيتان تبدآن بقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
، الكفر : عدم الإيمان ، والامتناع من الدخول فيه ، وهو في الأصل من الكفر
وهو الستر ، يقال : كفر الشيء إذا ستره ، وتكفير السيئات سترها وتغطيتها ،
ومحوها وإزالتها ، وسمي الزارع كافرًا ؛ لأنه يغطي البذور بالدفن في الأرض
، ومنه قوله تعالى : كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ، [ الحديد : 20 ] أي : الزراع .

والذين
لم يدخلوا في الإيمان ولم يجيبوا داعي الله ، إنما سموا كفارًا ؛ لأنهم
ستروا الحق وأخفوه ولم يقبلوه . ولأن كثيرًا منهم كما قال الله تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ، وقال : فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ .

والكفر
يكون بالتعطيل وإنكار الخالق - جل وعلا - ، ويكون بالشرك مع الله - سبحانه
وتعالى - ، ويكون بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام ، وهي كثيرة . فالكفر
يكون بالجحود ، ويكون بالعناد ، ويكون بالاستكبار ، ويكون بالنفاق ، ويكون
بالقول وبالفعل وبالاعتقاد وبالشك . والكفر : أنواع يجمعها " عدم الإيمان
" .

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : أبوا أن يقبلوا هدى الله - سبحانه وتعالى - ، هؤلاء لا حيلة فيهم : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ لأنهم لما عرفوا الحق أول مرة ولم يستجيبوا عاقبهم الله بحرمانهم من الإيمان فلا يهتدون بعد ذلك أبدًا .

قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وختم الشيء معناه : إغلاقه بحيث لا يدخل إليه شيء ولا يخرج منه شيء . و خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ أي : أغلقها بالخاتم ، أو بالختم ، فلا ينفذ إليها النور ، ولا يصل إليها الإيمان ؛ بسبب إعراضهم ، كما قال سبحانه : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فمن تبين له الحق وأعرض عنه ، عوقب بالحرمان فلا يقبله بعد ذلك .

وما دام الله ختم على قلوبهم وسد المنافذ التي تُوصِل الخير إليها فلا فائدة من دعوتهم ؛ بل وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ .

وقوله : وَعَلَى سَمْعِهِمْ
أي : وختم على سمعهم ، فلا يسمعون سماع قبول واهتداء وإن كانوا يسمعون
الصوت بآذانهم ، لكن لا يسمعون سماع قبول وانتفاع ، حرمهم الله فائدة
الأسماع - والعياذ بالله - كما قال سبحانه :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا
يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ .

قوله : وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
على أبصارهم خبر مقدم ، و غِشَاوَةٌ مبتدأ مؤخر ، وهي جملة مستأنفة .
والغشاوة : الغطاء ، أي : جعل على أبصارهم غطاء يحول بينهم وبين الانتفاع
بما يشاهدون من آيات الله ، فلا يبصرون إبصار انتفاع : لا ينظرون في آيات
الله ويستفيدون من النظر فيها ، وإنما نظرهم كنظر البهائم تنظر إلى
الأشياء ولكن لا تدرك الحكمة منها والسر فيها . فحرمهم الله نعمة القلوب ،
ونعمة الأسماع ، ونعمة الأبصار ، والسبب هو : أنهم كفروا ولم يقبلوا الحق
.

وفي هذا تحذير عن الإعراض عن الحق لكل من سمعه ؛ لأن ذلك
الإعراض سبب لحرمانه من الهداية ، فيظل مغلق القلب مختوما عليه كما حرم
هؤلاء وختم على قلوبهم .

ثم قال : وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
: هذا جزاؤهم في الآخرة ، عذاب لا يعلم عِظَمَه إلا الله سبحانه وتعالى .
هذا القسم الثاني عاقبهم الله في الدنيا عقوبة عاجلة بحرمانهم من الانتفاع
بحواسهم ، وعقوبة آجلة في الآخرة بالعذاب العظيم في النار .

القسم
الثالث : الذين آمنوا بالقرآن ظاهرا ، وكفروا به باطنا . وهؤلاء هم
المنافقون ، وهم شر ممن قبلهم ، شر من الكفار وأخطر ؛ لأن الكفار يعلم
أنهم كفار فيؤخذ الحذر منهم ، لكن هؤلاء لا يعلم المسلمون أنهم كفار ؛
لسلامة ظاهرهم ، واختلاطهم بالمسلمين فيحسنون الظن بهم ولا يحذرونهم ، وهم
يفسدون في الأرض . فخطرهم أشد من خطر الكفار ، ولهذا أنزل الله فيهم ثلاث
عشرة آية ، من قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إلى قوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ وذلك لخطرهم وقبحهم ، وأنهم أقبح من الكفار الأصليين ، ولهذا قال - جل وعلا - : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ . أي : تحت الكفار وعبدة الأصنام . والعياذ بالله .

والنفاق هو : إظهار الخير كالإيمان والصلاح وإخفاء الشر كالكفر والرياء في القلب .

وهو ينقسم إلى قسمين : نفاق اعتقادي ، ونفاق عملي .

أ - النفاق الاعتقادي هو : إظهار الإيمان وإبطان الكفر . والمتصف بهذا هو الذي يكون في الدرك الأسفل من النار . والعياذ بالله .

ب
- أما النفاق العملي فهو ؛ الاتصاف بصفة من صفات المنافقين ، وهذا يكون من
بعض المؤمنين ، فالمتصف به مؤمن باطنا وظاهرا ، وهذا يسمى نفاقا أصغر ،
ونفاقا عمليا . من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان وفي رواية : وإذا خاصم فجر ، وفي رواية : وإذا عاهد غدر
فهذه الصفات إذا صدرت من مؤمن فإنه يكون عنده نفاق عملي ينقص إيمانه ، وقد
يجره - والعياذ بالله - إلى النفاق الاعتقادي . ولهذا خافه النبي - صلى
الله عليه وسلم - على أصحابه وكان الصحابة يخافون خوفا شديدا من هذا
النفاق ؛ لأن الواجب على المؤمن الصراحة في الحق ؛ لأنها إذا اجتمعت فيه
دلت على تأصل النفاق العملي فيه الموجب للنفاق الاعتقادي ، ولهذا قال -
صلى الله عليه وسلم - : أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ... فلا يكون عنده ظاهر وباطن يخالفه ولا يتصف بصفات المنافقين : بالكذب ، وإخلاف الوعد ، وخيانة الأمانة ، والغدر بالعهود .

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - محذرا من صفات النفاق :
أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كان فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة
من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ،
وإذا خاصم فجر
نسأل الله العافية . فالواجب على المسلم أن يحذر من النفاق ، وأن يتجنب
صفات المنافقين ، ولا يقل : أنا مؤمن على الإطلاق ؛ فالمؤمن قد يدخل عليه
شيء من صفات المنافقين لنقص إيمانه ، ولكن ليقل أنا مؤمن إن شاء الله .
ونحوها .

قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ أي : بأفواههم ، قال - تعالى - : وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يعني : في قلوبهم ، إنما أظهروا الإيمان وأخفوا ضده وهو الكفر ، ومن لم يؤمن بقلبه فليس بمؤمن .


[size=21]3 - متى وقع النفاق في الإسلام ؟
[/size]

[size=12]يقول
العلماء : إن النفاق العقدي لم يقع في مكة ؛ لأن المسلمين كانوا مستضعفين
في مكة ، فلا يُسلم في مكة إلا صادق الإيمان ؛ لأنه بإسلامه معرض للفتن
والاضطهاد . فليس ثَمَّ حاجة لأن ينافق . وكذلك في أول الهجرة ما حصل نفاق
، لكن لما جاءت واقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، وانتصر المسلمون
فيها ، وقويت شوكتهم ، رأى الكفار الذي يعيشون في المدينة أن استمرارهم
على كفرهم يعرضهم للخطر ، فلم يسعهم إلا أن يقبلوا الإسلام ظاهرا لأجل أن
يعيشوا مع الناس ، وتحقن دماؤهم ، وما آمنوا بقلوبهم ، ولكن أظهروا
الإيمان حيلة وحفظا لمصالحهم .

قوله - تعالى - : يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا الخداع ، والمخادعة : أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن . وقصد المنافقين من مسلكهم هذا المخادعة ، ولهذا قال الله تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ، والله جل وعلا لا يُخدع .

قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا أي : ويخادعون الذين آمنوا .

قوله : وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
: أي : عملهم هذا إنما ضرره على أنفسهم ؛ لأن الواجب على الإنسان أن ينصح
لنفسه ، وأن ينقذها من عذاب الله . لكن المنافقين خدعوا أنفسهم ؛ حيث
عرضوها لغضب الله سبحانه وتعالى .

قوله : وَمَا يَشْعُرُونَ ، أي : وما يدرون أن عملهم هذا سينتكس عليهم .

قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ
هذا هو سبب النفاق : المرض الذي في قلوبهم . والقلب يمرض ، ومرضه أشد من
مرض الجسم ، وذكر العلماء أن مرض القلب نوعان : مرض شهوة ، ومرض شبهة .

1 - مرض الشبهة : يكون بالشكوك والكفر والنفاق وسوء الظن بالله عز وجل ، وسوء الظن بالمسلمين .

2 - مرض الشهوة : أن يحب الشهوات المحرمة ، مثل : الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، والغيبة ، والنميمة ، ونحو ذلك ، كما قال تعالى : فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي : مرض الشهوة . والعياذ بالله .

ومرض الشبهة أشد من مرض الشهوة ؛ لأن مرض الشبهة لا يتوب صاحبه في الغالب ، بخلاف مرض الشهوة فقد يتوب صاحبه ، ويصلح عمله .

فقوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ : أي مرض الشبهة ، ومرض الشهوة ، كلا المرضين فيها .

قوله : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا
: عقوبة لهم ؛ حيث إنهم كفروا بآيات الله سبحانه وتعالى . وقلوبهم فيها
المرض من قبل ، فلما كفرت بآيات الله زاد مرضها ؛ كما قال تعالى :
وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ
زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ
إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ؛ لأنهم أصبحوا يستهزؤون بها ، ويسخرون منها ، ولا يؤمنون بها فزاد مرضهم - والعياذ بالله - على مرض سابق ، فتضاعف عليهم المرض .

قوله : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : هذه عقوبة ثانية ، عذاب في الآخرة وعذاب في الدنيا . و { أَلِيمٌ } : بمعنى : مؤلم موجع ، وبين سبب هذا العذاب بقوله : بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
: في إيمانهم . كيف يكذبون ؟ لأنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر . وهذا
كذب ، بل هذا أعظم الكذب . وفي قراءة : " بما كانوا يُكَذَِّبون " أي :
يكذبون بآيات الله سبحانه وتعالى .

ومن صفاتهم : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
أي : إذا نُهوا عن النفاق ؛ لأن النفاق والكفر والمعاصي إفساد في الأرض ؛
لأنها تسبب النكبات والعقوبات ، تسبب حبس الأمطار وغور المياه ، ويبس
الأشجار وانقطاع الثمار ، تسبب اختلال الأمن وانقطاع السبل ؛ كما قال -
تعالى - : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ، فالكفر والمعاصي والنفاق إفساد في الأرض ، والطاعة والإيمان والعمل الصالح إصلاح في الأرض . ولهذا قال : وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا أصلحها الله بالوحي والنبوة والإيمان ، فالذي يعصي الله ويكفر به مفسد في الأرض .

فمعنى قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ : اتركوا ما يكون سبب لفسادها وهو النفاق ، وآمنوا بالله ظاهرا وباطنا كما آمن الناس ، أي الصحابة رضي الله عنهم .

قوله : قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ : وهذا من انتكاس الفطر ، يعدون النفاق والكفر إصلاحا في الأرض ! !

فيقولون
: إنما نحن بعملنا هذا الذي هو النفاق والكفر مصلحون ، من أجل أن نعيش في
هذه الدنيا ، ويندفع عنا القتل . وهذا بزعمهم إصلاح ! !

فقال الله - تعالى - ردا عليهم : أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ عكس الله عليهم دعواهم ، وحصر الإفساد فيهم ، فهم وحدهم المفسدون بنفاقهم وكفرهم وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ لا يدرون أن هذا إفساد ، بل يعتقدونه إصلاحا .

واليوم
أصحاب الشهوات وأصحاب المطامع الخبيثة ، يريدون أن يحولوا المسلمين إلى
المذاهب الباطلة ، وإلى تعطيل الشريعة ، وإلى الجرائم وفساد الأخلاق ،
ويقولون : هذا إصلاح ! ويسمون الإيمان والتمسك بالدين جفاء وتحجرا ،
ورجعية وتأخرا ! إلى آخر ما يقولون . ما أشبه الليلة بالبارحة ! يريدون أن
يحولوا الحكم بما أنزل الله إلى الحكم بالقانون ، ويقولون : هذا إصلاح !
يريدون أن يخلعوا الحجاب عن النساء ويتركوهن سافرات في الشوارع ، ويتولين
أعمال الرجال ، ويسافرن إلى أي محل ، ويقولون : هذا إصلاح ! هذا رقي وتقدم
! هذا تحضر ! وهذا عمل الأمم الراقية ! أما إن تعارضوا هذا الأمر فهذا هو
الإفساد بزعمهم ! ! هذا هو نفس الذي ذكره الله عن المنافقين في هذه السورة
، وفي قوله :
فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا
وَتَوْفِيقًا .

وهؤلاء الذين يقولون هذه المقالات الآن هم منافقون ؛ لأنهم يظهرون الإيمان ويخفون في قلوبهم محاربة الله . نسأل الله العافية .

قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ آمنوا بالله ورسوله كإيمان الصحابة - رضي الله عنهم - ، سماهم الله الناس ؛ لأنهم هم الناس في الحقيقة .

قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ
: يسمون الصحابة : السفهاء ! لماذا ؟ لأنهم آمنوا والتزموا بدين الله :
يصلون ويصومون ، ويحجبون نساءهم ، ويتجنبون الحرام والربا والغش في
المعاملات ، ويتجنبون الاحتيال والمكر والخديعة . والمنافقون يقولون :
هؤلاء سفهاء ! !

والسفهاء جمع سفيه ، والسفيه هو : ناقص العقل ،
خفيف العقل ، أصله من السفاهة وهي خفة العقل ، فهم يصفون الصحابة بخفة
العقل ؛ لأنهم ليس عندهم مكر وخديعة ، ونفاق وتملق ، واحتيال على أوامر
الله - تعالى - ونواهيه . فهؤلاء السفهاء عندهم ! !

قوله : أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ
: حصر السفاهة فيهم هم ؛ لأنهم الذين ضروا أنفسهم ، والسفيه هو الذي يضر
نفسه ، فهؤلاء هم ضروا أنفسهم بالنفاق والخديعة والمكر . فأي الفريقين
سفيه ؟ الذين آمنوا بالله ورسوله وصلحوا وأصلحوا ، أم الذين نافقوا ولم
يؤمنوا ؟ لا شك أن الذي لم يؤمن هو السفيه . فالمنافقون هم السفهاء .

قوله : وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ
: لأن الله تعالى طمس على قلوبهم فلا يميزون بين الحق والباطل ، والسفاهة
والرشد ، يعتقدون الرشد سفاهة ، والسفاهة رشدا ؛ لأن عقولهم مرضت ،
وقلوبهم فسدت فلا تميز بين الحق والباطل . هذه هي بعض صفاتهم .

وقوله تعالى : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ . ثم ذكر - تعالى - من صفات المنافقين : استعمال الوجهين : فيأتون المؤمنين بوجه ، ويأتون الكفار بوجه ، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا أي أظهروا الإيمان : صلوا وصاموا ، وعملوا الأعمال التي أمر بها الإسلام ، يفعلون هذا في الظاهر من أجل خديعة المؤمنين ، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ
: خلوا إلى مردة الكفار ، والشيطان يوصف به الجن ، ويوصف به الإنس ،
وشياطين الإنس أشد ضررا ، فالمراد بشياطينهم : مردة الكفار من المشركين ،
واليهود ، والنصارى ، إذا خلوا إليهم ولم يكن معهم أحد من أهل الإيمان ،
صرحوا بالحقيقة قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي : ما فارقناكم ، إنا على عقيدتكم ، لكن خدعنا هؤلاء ، وأظهرنا لهم الإيمان استهزاء ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ مستهزئون بإظهار إيماننا أمامهم ، نسخر بهم ، ونستهزئ بهم ، ونخدعهم ، وهم يصدقوننا .

قوله تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي : يستدرجهم ويمهلهم ويعطيهم شيئا من الخير خديعة لهم ، ثم يحل بهم العقوبة الرادعة هذا هو الاستهزاء بهم .

والاستهزاء
من الصفات التي لا تطلق على الله إلا في مقام المقابلة ، فالله لا يوصف
بالاستهزاء ، لكن يوصف بأنه - سبحانه - حكم عدل ، يوصل الجزاء إلى من
يستحقه على وجه لا يشعر به ، ومن ذلك أن المنافقين يعطون شيئا مما أرادوا
في الدنيا ، من حقن دمائهم ، وحماية أموالهم . لكن لهم العاقبة الوخيمة .

كذلك في الآخرة يعطون شيئا من النور في بداية الأمر ، ثم يسلب منهم فيصبحون في ظلمة ، كما قال - تعالى - :
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا
انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ
فَالْتَمِسُوا نُورًا ، ينطفئ نورهم . والعياذ بالله . ولهذا يقول المؤمنون : رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، إذا انطفأ نور المنافقين خاف المؤمنون فدعوا ربهم بإتمام نورهم .

قوله : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ
: يستدرجهم ويزيدهم ، فلا يعاجلهم بالعقوبة ، ولا يفضح أمرهم ، وذلك من
أجل أن يستمرئوا النفاق . ويستسيغوه . والطغيان هو : الخروج عن الحق .

وقول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
didou
عضـو فعـــال
عضـو فعـــال
avatar

أوسمــة العضــو :
ذكر
عدد الرسائل : 90
العمر : 27
البلد : algerai
تاريخ التسجيل : 02/07/2010

مُساهمةموضوع: رد: تفسير الآيات العشرين الأولى من سورة البقرة   الجمعة سبتمبر 24, 2010 4:20 pm

ما شاء الله بارك الله فيك اخوي على الطرح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير الآيات العشرين الأولى من سورة البقرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى العلوم القانونية و الإدارية :: قسم الدين الإسلامي الحنيف :: منتدى القرآن الكريـــم-
انتقل الى: