منتدى العلوم القانونية و الإدارية
 

منتدى العلوم القانونية و الإدارية

منتدى البحوث و المحاضرات والكتب و المكتبات الخاصة بطلبة العلوم القانونية و الإدارية
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
.

منتدى العلوم القانونية و الإدارية :: قسم ما بعد التدرج :: منتدي الماستر MASTERشاطر | 
 

 محاضرات في المسؤولية الجنائية / السنة اولى ماستر حقوق ل م د تخصص قانون جنائي الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mourad medjbari
عضـو جديــد


ذكر
عدد الرسائل : 13
العمر : 27
البلد : algerie
تاريخ التسجيل : 13/12/2012

""
"مُساهمة"موضوع: محاضرات في المسؤولية الجنائية / السنة اولى ماستر حقوق ل م د تخصص قانون جنائي الجزء الثاني   ""الثلاثاء مايو 07, 2013 5:33 pm

لمبحث الثاني: تقسيم موانع المسؤولية الجنائية.

لقيام المسؤولية الجزائية يجب أن يكون مرتكب الفعل المجرم متمتعا بالملكات الذهنية التي تسمح له بادراك الجريمة و العقوبة، و تجعله قادرا على التمييز بين الفعل المجرم و غير المجرم، و تعطيه الإختيار بين فعله و الإمتناع عنه.

وبناءا على ذلك فإن موانع قيام المسؤولية الجزائية قد ترجع إلى انعدام الأهلية بسبب صغر السن أو الجنون أو السكر، و قد ترجع إلى انعدام حرية الاختيار لقيام حالة الضرورة أو الإكراه.

لذلك إرتأينا أن نقسم هذا المبحث إلى مطلبين، نتناول في المطلب الأول، موانع المسؤولية بسبب إنعدام الأهلية، و نتناول في المبحث الثاني موانع المسؤولية بسبب إنعدام حرية الاختيار.

المطلب الأول: موانع المسؤولية الجنائية بسبب انعدام الأهلية.

نقصد بالأهلية الجنائية أن الشخص عاقل بالغ مدرك لتصرفاته، و أنها تشكل جريمة تستحق عقابا بحيث يمكنه الإقدام عليها أو الإحجام عنها. و تنعدم الأهلية الجنائية في أحوال ثلاثة يتجرد فيها الشخص من القدرة على فهم دلالة أفعاله و إدراك تبعاته القانونية ولذلك يقرر المشرع إمتناع مسؤوليته الجزائية. وتتمثل هذه الأحوال في صغر السن والجنون والسكر.

وفيما يلي نتعرض لكل مانع منها على حدى.

الفرع الأول: صغر الســن.

أولا: علة امتناع المسؤولية بسبب صغر السن.

يتمثل قوام المسؤولية الجزائية في الوعي والإرادة، ولا شك في ارتباط الوعي ببلوغ الإنسان سنا معينة. لأن الإنسان لا يولد متمتعا بملكة الوعي أو التميز دفعة وإنما يتراخى ميلاد تلك الملكات فترة بعد الميلاد، ثم تبدأ هذه الملكات في التطور مع تقدم العمر، وعلى هذا الأساس فان صغر السن يكون سببا في انتفاء الوعي كليا أو جزئيا. وفي المقابل نجد أن المسؤولية الجزائية يتم تحديدها على أساس الوعي والإرادة اللذان لا يتوفران للصغير دفعة واحدة. لذلك كان صغر السن مانعا من موانع المسؤولية يؤدي إلى تغيير جزاء الحدث بمدى نصيبه من الوعي و الإرادة، و نتطرق لذلك فيما يلي:

ثانيا: امتناع المسؤولية بسبب صغر السن في بعض التشريعات الوضعية.

تأخذ التشريعات الوضعية عامة سواء العربية، أو الغربية بما أخذت به الشريعة الإسلامية من حيث اختلاف المسؤولية الجزائية للأحداث باختلاف مراحل أعمارهم والرأي الغالب في هذه القوانين هو تقسيم عمر الإنسان إلى أنواع بحسب السن و أن الحدث يمر بثلاثة مراحل مميزة عن بعضها، ولو أنه يصعب تحديد كل مرحلة تحديدا دقيقا. و ذلك حسب نظرة كل مشرع وطني على حدى و فيما يلي نتعرض لموقف بعض التشريعات من حالة صغر السن.

أ‌- في التشريع البولوني: قام المشرع البولوني بحصر النصوص المتعلقة بالأحداث المنحرفين في فصل واحد وقد أطلق عليه تسمية معالجة القاصرين. ويتميز هذا التشريع بخصائص تدل على تطور النظرة إلى مفهوم صغر السن، وأثره على المسؤولية الجزائية حيث أنه:

* منع القصاص على كل قاصر لم يبلغ سن الثالثة عشر(13) عند اقترافه فعلا إجراميا.

* يستبدل العقاب في جميع الأحوال بتدابير التهذيب، و الحماية مثل وضع القاصر تحت رعاية ولي تعينه المحكمة خصيصا لهذه الغاية.

* إذا ارتكب القاصر جريمة عن إدراك و معرفة. فيكتفي بحجزه في مؤسسة تأديبية لغاية بلوغه واحد و عشرون سنة 21 سنة، أما من تجاوزا هذا السن توقع عليهم العقوبات الأصلية.

* و قد أعطي المشرع البولوني صلاحيات واسعة لإدارة المعاهد التأديبية بحيث أنه أجاز للإدارة حق وضع الحدث المحكوم عليه خارج المؤسسة لمدة تحت رعايتها المباشرة، وفي حال ارتكابه أي جريمة وهو داخل هذه المؤسسة وقبل بلوغه سن السابعة عشر يعود للإدارة وحدها اتخاذ التدابير اللازمة دون الرجوع إلى القاضي.

ب‌- في التشريع اليوناني: إهتم التشريع اليوناني بكل حدث لم يبلغ سن الثانية عشر (12) من عمره، و بالمراهق الذي تجاوز سن الثانية عشر (12) ولم يبلغ سن السابعة عشر (17). و بالفتى الذي تجاوز السابعة عشر (17) ولم يبلغ سن الواحد و العشرون (21) وقسم الأحكام الموقعة على القاصرين كالآتي:

• التدابير العلاجية في الأحوال التي يكون فيها القاصر مصابا بمرض نفسي.

• التدابير التأديبية و قد سماها القانون اليوناني عن سهو الوسائل العقابية فهي تقتصر على الوضع في مؤسسة إصلاحية فقط، كما اعتمد هذا القانون الإفراج المشروط بحق المحكوم عليه.

جـ- في التشريع البلغاري: لقد أدخل المشرع البلغاري مسألة صغر السن في نطاق المسؤولية الجزائية معتبرا أن الفعل الإجرامي غير معاقب عليه إطلاقا إذا لم يتم القاصر سن الثالثة عشر 13 سنة. أما من تجاوز سن الثالثة عشر 13 سنة و لم يصل سن السابعة عشر 17 سنة يعاقب بالحبس من سنة إلى عشر سنوات بدلا من الإعدام. و عقوبة السجن المؤقت أو المؤبد تحول إلى الحرمان من الحرية حسب الظروف عن مدة لا تقل عن ستة أشهر و لا تزيد عن سنتين.

د- في التشريع المصري: أول ما ينتبه إليه بالنسبة للمشرع المصري أنه أضاف قانونا خاصا بالأحداث سنة 1974. و ألغي هذا القانون ضمنيا من الناحية الموضوعية و الإجرائية بقانون الطفل الصادر سنة 1996. وقد نظم الأحكام الخاصة بمعاملة الأحداث في الباب الثامن من هذا القانون تحت عنوان « المعاملة الجنائية للأطفال » ووردت هذه الأحكام كالآتي:

- الصغير دون سن السابعة يعتبره القانون عديم التمييز، غير أهل لمباشرة حقوقه المدنية كما أنه غير مسؤول من الناحية الجزائية.

- الصغير المميز الذي يتراوح سنه بين سبعة سنوات (07) و خمسة عشر(15) لا يجوز توقيع العقوبات العادية عليه و إنما توقع عليه التدابير المنصوص عليها ففي المادة 101 من قانون الطفل و هي: التوبيخ، التسليم، الإلحاق بالتدريب المهني الإلزام بواجبات معينة.

- الطفل الذي يتراوح بين خمسة عشر سنة (15) و عشر سنوات (10).

أقر المشرع من حيث المبدأ أهليته لتحمل العقوبة بعد تخفيضها كما أجاز للقاضي الاستغناء عن العقوبة و الاكتفاء ببعض التدابير إذا قدر ملائمة ذلك.

- الطفل الذي يتراوح سنه بين ستة عشر (16) و دون الثامنة عشر (18) استحدث قانون الطفل الجديد هذه المرحلة، و نص على أنه لا يحكم بالإعدام و لا بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة على المتهم الذي زاد سنه على ستة عشر (16) و لم يبلغ الثامنة عشرة سنة (18) كاملة وقت إرتكاب الجريمة، و في هذه الحالة ارتكب المتهم جريمة عقوبتها الإعدام يحكم عليه بالسجن مدة لا تقل عن عشرة سنوات (10) و إذا كانت الجريمة عقوبتها الأشغال الشاقة المؤبدة يحكم عليه بالسجن مدة لا تقل مدته عن سبع سنوات (07)، و إذا كانت الجريمة عقوبتها الأشغال الشاقة المؤقتة يحكم عليه بالسجن.

- إذا بلغ الشخص سن الثامنة عشرة (18) صار أهلا للمسؤولية الجزائية الكاملة بكل ما يترتب عليها من أثار. فتوقع عليه كافة العقوبات المقررة لما يرتكبه من جرائم، و لا تخفف هذه العقوبة إلا تطبيقا للقواعد العامة في قانون العقوبات.

ثالثا: مراحل المسؤولية الجزائية حسب سن المجرم في قانون العقوبات الجزائري.

تنص المادة 49 من قانون العقوبات « لا توقع على القاصر الذي لم يكمل الثالثة عشر إلا تدابير الحماية أو التربية، و مع ذلك فإنه في مواد المخالفات لا يكون محلا إلا للتوبيخ. ويخضع القاصر الذي يبلغ سنه من 13 إلى 18 سنة إما لتدابير الحماية أو التربية أو لعقوبات مخففة ».

ومن خلال هذا النص نستنتج أن قانون العقوبات الجزائري قد ميز بين ثلاث مراحل للمسؤولية بحسب عمر مرتكب الجريمة القاصر على النحو التالي:

1- الصبي دون الثالثة عشر سنة.

يتضح من نص المادة 49 ق ع أنه لا يعد مسؤولا جنائيا – بحكم القانون- الصبي الذي لم يبلغ سن الثالثة عشر. فلا يجوز إقامة الدليل على أنه أهل للمسؤولية الجنائية حتى لو كان من أعقل الناس. لأن عدم بلوغه سن الثالثة عشر (13) قرينة قاطعة على أنه غير مسؤول.

وتحسب مدة الثلاثة عشر سنة (13) سنة للقول بعدم المسؤولية الجزائية للصغير على أساس وقت ارتكابه الجريمة.

وقد جنب المشرع القاصر في هذه المرحلة وضعه في المؤسسة العقابية حسب المادة 456/1 قاا ج التي جاء فيها « لا يجوز وضع المجرم الذي لم يبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة كاملة في مؤسسة عقابية و لو بصفة مؤقتة »

لكن ذلك لا يمنع من إمكانية خضوعه لتدابير الحماية، أو التربية إذا كان يخشى أن يؤدي تركه دون أي مساعدة إلى خطر أن يعود الطفل إلى الإجرام، أو أن يشب معتادا على الإجرام.

2- القاصر بين الثالثة عشر و الثامنة عشر سنة (13 و 18 ).

عند بلوغ الصبي الثالثة عشرة (13) من عمره يصبح مسؤولا جنائيا عن أعماله ولو مسؤولية مخففة، باعتبار أن المشرع يحدد سن الثامنة عشر لاكتمال نضجه العقلي فإذا ارتكب القاصر بعد بلوغه الثالثة عشر (13) و قبل بلوغه الثامنة عشر (18) من عمره جريمة، فان القانون يسمح بإخضاعه لتدابير الحماية أو التربية، أو العقوبات محققة. كما يوجب القانون تخفيف العقوبة على هذا القاصر و ذلك حسب المادة 50 من قاع التي تنص « إذا قضي بأن يخضع القاصر الذي يبلغ سنه من 13 الى 18 سنة لحكم جزائي فان العقوبة التي تصدر عليه تكون كالآتي:

- إذا كانت العقوبة التي تفرض عليه هي الإعدام أو السجن المؤبد فانه يحكم عليه بعقوبة الحبس من عشر سنوات إلى عشرين سنة.

- إذا كانت العقوبة هي السجن، أو الحبس المؤقت، فانه يحكم عليه بالحبس لمدة تساوي نصف المدة التي كان يتعين الحكم عليه بها إذا كان بالغا »

وإذا كان القانون يوجب تخفيف العقوبة على القاصر فهل يجوز للقاضي تخفيض الغرامة إذا رأى الحكم بها ؟.

إن نص المادة ( 50 ق ع ) لم يقيد القاضي ولم يوجب عليه تخفيض الغرامة لذلك فالقاضي يحكم بها في حدود سلطته التقديرية بين الحدين الأدنى والأقصى لها. كما بينها القانون أما إذا جاء النص بحد واحد لها فان القاضي يحكم لها. أي أن القاصر يتساوى مع البالغ عند الحكم عليه بالغرامة على أن لا يجوز اللجوء إلى إجباره على التنفيذ بالإكراه البدني.

3- البالغ من العمر الثامنة عشر سنة (18) فما فوق.

إذا بلغ الشخص 18 سنة كاملة و ارتكب جريمة أعتبر مسؤولا عنها مسؤولية كاملة من الناحية الجزائية ذلك أن المشرع الجزائري حدد سن الرشد الجزائي في تمام الثامنة عشر حسب المادة( 442 ق ا ج ). و العبرة في تحديد سن الرشد الجزائي تكون بسن المجرم يوم ارتكاب الجريمة حسب المادة( 443 ق ا ج ).

ويعود تقدير السن إلى شهادة الميلاد أو أية أوراق رسمية تثبت ذلك. أما في حالة عدم وجود أوراق ثبوتية رسمية تبين سن المجرم. يلجأ القاضي لتقدير السن إلى أهل الخبرة الفنية كالأطباء. وتقدير السن على هذا الوجه من المسائل التي تخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع.

فإذا بلغ الشخص سن الثامنة عشر (18) صار أهلا للمسؤولية الجزائية الكاملة بكل ما يترتب عليها من أثار فتوقع عليه كافة العقوبات المقررة لما يرتكبه من جرائم و لا تحقق هذه العقوبات إلا تطبيقا للقواعد العامة في قانون العقوبات.

وما يمكن ملاحظته عن سن الرشد الجزائي أنه يختلف عن سن الرشد المدني الذي حدده القانون بتسعة عشر سنة كاملة.

الفرع الثاني: الجنـــون.

إذا كان الإنسان عاجزا عن إدراك تصرفاته، و توجيه إرادته في مسارها الصحيح، نتيجة نقص في قدرته العقلية، أو بسبب مرض أو عاهة أثرت على إدراكها. انتفت مسؤوليته الجزائية عن الأفعال غير المشروعة التي يقوم بها لأنه غير مدرك لطبيعة فعل و هذا ما يسمى بحالة الجنون. و هي ظاهرة مرضية عرفتها الإنسانبة منذ أقدم عهودها، و لكن النظرة إليها تغيرت بتحول الحضارات و قد كانت في الأصل ضمن العلوم الطبيعية، و لم تدخل نطاق القانون إلا بعد تدرج طويل و قد بدأ ذلك أيام الرومان القدامى الذين كانوا يفرقون بين الرجل السليم و المجنون، متأثرين بما تأثر به أطباء اليونان، و كأن المجنون يتعرض لبعض التدابير القاسية كمحاولة لشفاءه.

ولكن حين انهارت المدينة القديمة تحت وطئة الغزو في القرون الوسطي ظهرت مفاهيم قائمة على السحر، والشعوذة، والخرافات، فكان الحكام رجال الدين حتى أكثرهم علما و ثقافة يؤمنون أن المجنون مسكون بالأرواح الخفية و الشياطين مما جعلهم يعاملون المجنون بقسوة فيربطونه بالسلاسل، ويضعونه في كهوف مظلمة.

وفي مطلع القرن الثامن عشر (18) تطور علم الطب، و انكب على دراسة المرض العقليين والنفسيين فأطاح بالخرافات القديمة وقلب المقاييس و أصبح يفرق بين الإنسان العادي، والإنسان المختل الشعور من الناحية العلمية، مما أثر كثيرا في الأوضاع التشريعية والقضائية والجزائية.

وبعد هذه اللمحة التاريخية عن حالة الجنون نتطرق فيما يلي الى أحكام الجنون كمانع للمسؤولية ضمن العناصر التالية:

أولا: تعريف الجنون.

يمكن تعريف الجنون على أنه ذلك الإضطراب الذي يصيب القوى العقلية بعد نموها مما يؤدي إلى إختلاف المصابين به عن العقلاء في تصوراتهم و تقديرهم للأمور.

ويعرف كذلك على أنه « كل حالات اضطراب القوى العقلية التي يزول بها التمييز
وحرية الاختيار ».

وأثير الدفع بالجنون لأول مرة عام 1843 أمام محاكم انجلترا عندما أفرج عن
ماكناتن دانيال المتهم بقتل ادوارد دراموتد.

وتتمثل وقائع هذه القضية في إقدام ما كناتن دانيال على إطلاق النار على سكرتير السيد روبرت بيل و هو ادوارد راموند ظنا منه أن المجني عليه هو بيل نفسه، و عند النظر في قضيته إدعى ما كناتن أنه كان واقعا تحت تأثير هذيان الجنون، و قدم الدليل الطبي على ذلك، فقرر المحلفون أنه غير مذنب بسبب الجنون و أودع بمؤسسة علاجية بطريقة عــادية.

وقد أثار هذا الحكم إحتجاج الصحافة حتى أن مجلس اللوردات طلب من القضاة المبدأ القانوني الذي أصدر على أساسه الحكم، فكان المبدأ الذي خرج به القضاة على أن تكون له قوة إلزامية هو « على المحلفين أن يعلموا في جميع القضايا أن كل إنسان مفترض فيه
أنه سليم العقل، ولديه الدرجة الكافية من التمييز التي تجعله مسئولا عن جرائمه ما لم
يثبت العكس. وأنه لتأمين الدفاع بسبب الجنون يجب أن يثبت بوضوح:

- أن المتهم وقف ارتكاب الفعل كان يعاني من نقص في التمييز ناجم عن مرض عقلي.

- وأنه لم يكن يعرف طبيعة و نوع فعله أو إذا كان يعرف أنه لم يكن عارفا أنه يرتكب خطأ.

- وأضاف القضاة أنه إذا كان معانيا هذيانا جزئيا فقط و لكنه ليس مجنونا من نواح أخرى، فانه يجب أن يعتبر لغايات المسؤولية في نفس وضع ما لم كانت الوقائع المرتبطة بوجود الهذيان حقيقة ».

ومن خلال استعراض هذا المبدأ يمكن استنتاج الشروط الواجب توفرها حتى تنتفي المسؤولية الجزائية بسبب الجنون و هي:

1- إصابة المتهم باختلال عقلي يفقده الوعي و الاختبار: إن مسألة امتناع المسؤولية الجزائية بسبب الجنون أمر متوقف على أثر حالة الجنون على وعي المصاب به وإرادته، فان ترتب عليها فقدانه لوعيه وإرادته كانت العلة متوافرة و امتنع قيام المسؤولية الجزائية على المجنون. فيجب أن يكون الجنون قائما بأن يكون الاضطراب العقلي من الجسامة بحيث يعدم الشعور والاختيار كليا، أي أن صلة عدم مسؤولية الشخص المجنون مرتبطة ارتباطا وثيقا بفقده الشعور و الاختيار.

فإذا كانت العاهة لا تقضي إلى فقد الشعور، أو الاختيار لا تصلح مانعا للمسؤولية الجزائية مثال ذلك الحمق والسفه.

2- معاصرة الاختلال العقلي لوقت ارتكاب الجريمة:

أشار نص المادة( 47 ق ع ) إلى هذا الشرط صراحة، فيجب أن يكون الشخص مجنونا وقت ارتكاب الجريمة حتى تمتنع مسؤوليته الجزائية، إذ لا عبرة بجنونه قبل أو بعد ارتكاب الجريمة.

وشرط معاصرة الاختلال العقلي لوقت ارتكاب الجريمة لا يثير أية صعوبة بشأن الجرائم الوقتية، إذ العبرة حينها بحالة المجرم وقت ارتكاب الفعل المكون للجعيمة.

إلا أنه يقتضي تطبيق هذا الشرط بدقة بشأن بعض الجرائم كالجرائم المستمرة، و جرائم الاعتياد. فبالنسبة للجرائم المستمرة لا تمتنع المسؤولية الجزائية للمجرم إلا إذا كان
مصابا بالمرض العقلي مدة الإستمرار في الجريمة، و إذا استرد قواه العقلية في جزء من هذه المدة كان مسؤولا. وفي جرائم الاعتياد لا يدخل في تكوين ركن الاعتياد سوى الأفعال التي يرتكبها الشخص وهو متمتع بالأهلية الجزائية.

وتقدير توافر شروط امتناع المسؤولية الجزائية بالجنون يرجع لقاضي الموضوع
و له أن يستعين بخبير للفصل في حالة المتهم العقلية.

وللقاضي أن يثير الدفع بالجنون من تلقاء نفسه، لتعلق الأمر بالمسؤولية الجزائية
و توقيع العقاب على المتهم. و لا يجوز للمتهم أن يدفع بالجنون لأول مرة أمام المحكمة العليا لأنه دفع يتعلق بماديات الدعوى يختص به قاضي الموضوع. و فيما يلي نتطرق لأنواع الجنون.

ثانيا: أنواع الجنون.

يجب التفرقة بين الأمراض العقلية ” الجنون بالمعنى الواسع ” التي تعدم المسؤولية الجزائية و بين الأمراض النفسية التي لا تعدم كلية الإدراك و حرية الاختيار، مثل الأشخاص المصابين بالشخصية السكوباتية والمصابين بأمراض الهستيريا والنورستانيا وللقاضي الاستعانة بطبيب مختص لإرشاده عن نوع مرض الفاعل وعما إذا كان مرضا عقليا أم نفسيا، وإذا ثبت أن المتهم مصاب بمرض نفسي لا يمكن إعفاءه من المسؤولية الجزائية. ومع ذلك يمكن للقاضي استعمالا لسلطته التقديرية أن يعتبر المرض النفسي المصاب به المتهم من الظروف المخففة للعقوبة و من أهم الأمراض العقلية التي تعدم المسؤولية الجزائية نذكر:

- العته و البله الشديد: يولد المريض مصابا به فيتوقف نحوه العقلي عند سن الطفولة، فيظل فاقدا الإدراك و التمييز.

- جنون الشيخوخة: مرض يصيب بعض الأشخاص في سن الشيخوخة نتيجة تصلب الشرايين، و ضعف خلايا المخ، و يبدوا فيه المريض غير مهتم بأي شيء حوله.

- الفصام العقلي: تسيطر علي المريض أفكار معينة تجعله يعاني من الشعور بالاضطهاد و عدم تناسق أفكاره، وهو مرض نفسي في الأصل يصل إلى مرتبة الأمراض العقلية في مراحله المتقدمة، وقد يسمع المريض أصواتا ويرى أشباحا لا وجود لها. فتصبح الملكات الذهنية للمريض معطلة لا يستطيع استعمالها لتأثير الضغوط النفسية و الأفكار الوهمية عليه.

- الصرع: يأتي المرض نوبات يفقد فيها وعيه وذاكرته، ولا يسيطر على الحركات الإرادية لأعضائه، و يرافق ذلك حركات تشنجية. أو أن تأتي النوبة الصرعية دون حركات تشنجية ويقتصر تأثيرها على النشاط الذهني، فتعطله وتفقده الاتصال بالمحيط الذي يكون فيه مما يدفع المريض إلى ارتكاب الجريمة دون شعور.

وبعد أن تطرقنا إلى تعريف الجنون و شروطه و أنواعه نتطرق فيما يلي إلى أثار ثبوت الجنون وقت ارتكاب الجريمة.

ثالثا: أثار ثبوت الجنون وقت ارتكاب الجريمــة.

تنص المادة( 47 ق ع ) على انه « لا عقوبة على من كان في حالة جنون وقت ارتكاب الجريمة و ذلك دون الإخلال بأحكام الفقرة 02 من المادة 21 »

من خلال هذه المادة نستنتج أنه إذا توافرت شروط الجنون كمانع للمسؤولية ترتب على
ذلك عدم إمكان نسبة الجريمة إلى إرادة من صدرت عنه الأفعال المكونة للركن المادي لها، على نحو تمتنع معه مسؤوليته الجزائية عن هذه الأفعال.

ويترتب على امتناع المسؤولية الجزائية لجنون أو عاهة في العقل امتناع سلطة التحقيق عن الاستمرار في إجراءات الدعوى العمومية بإصدار أمر بألا وجه لإقامة الدعوى وإذا كانت الدعوى قد أحيلت إلى المحكمة المختصة، وجب على المحكمة الحكم ببراءة المتهم إذا ثبت لديها عدم تمتعه بقواه العقلية.

ويجوز للقاضي أن يأمر بوضعه في الحجز القضائي كتدبير وقائي بموجب المادة
(21 ق ع ) التي تنص « الحجز القضائي في مؤسسة نفسية هو وضع الشخص بناءا على قرار قضائي في مؤسسة مهيأة لهذا الغرض بسبب خلل في قواه العقلية قائم وقت ارتكاب الجريمة أو اعتراه بعد ارتكابها يمكن أن يصدر الأمر بالحجز القضائي بموجب أي حكم بإدانة المتهم أو العفو عنه أو ببراءته أو بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى، غير أنه في هاتين الحالتين الأخيرتين يجب أن تكون مشاركته في الوقائع المادية ثابتة. يجب إثبات الخلل في الحكم الصادر بالحجز بعد الفحص الطبي »

ويلاحظ من النص أن الحكم بالحجز من اختصاص القضاء، و يجب أن يثبت أن المتهم المحكوم عليه بالبراءة، أو بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى قد ثبت إشراكه المادي في الواقعة الإجرامية. وأن يخضع للفحص الطبي للتأكد من الخلل العقلي و لا يجوز للقاضي الأمر بالحجز القضائي دون اللجوء إلى الفحص الطبي حتى يتم العناية بالمريض حسب حالته العقلية.

وتطبيقا للقواعد العامة لا يجوز وضع المجنون المبرأ في الحجز القضائي تلقائيا ولو بحكم قضائي، وإجراء فحص طبي. إذا لم يكن يخشى منه ارتكاب الجرائم. لان مناط توقيع التدبير هو الخطورة الإجرامية للمتهم.

إذا كان هذا حكم الجنون وقت إرتكاب الجريمة فما هو حكم الجنون اللاحق على ارتكاب الجريمة ؟

رابعا: حكم الجنون اللاحق على إرتكاب الجريمــة.

إذا ثبت الجنون بعد إرتكاب الجريمة لا يكون له تأثير في المسؤولية الجزائية، و مع ذلك يكون له تأثير في الإجراءات المتخذة إتجاه مرتكب الجريمة. لأن اتخاذها في مواجهته يفترض إدراكه لها حتى تنتج الأثر الذي يرجوه القانون منها، و هو ما لا يتحقق إذا فقد المتهم التمييز و الإدراك.

والمقصود بالإختلال العقلي الذي يؤثر في إجراءات الدعوى هو أن يكون من شأنه جعل المتهم عاجزا عن الدفاع عن نفسه، بحيث يخشى ألا تتحقق الضمانات التي يقررها القانون له أثناء المحاكمة.

وهناك عدة افتراضات لوقوع الجنون بعد إرتكاب الجريمة نوردها كالآتي:

- وقوع الجنون بعد الجريمة و قبل المحاكمة: في مثل هذه الحالة يحول الجنون الطارئ دون إتخاذ الإجراءات القانونية و محاكمة المتهم، و يتم حجز المتهم في مؤسسة نفسية بناءا على قرار قضائي حسب المادة 21/1 ق ع. و لا يجوز تقديمه للمحاكمة إلا بعد أن يعود إلى رشده.

- وقوع الجنون أثناء المحاكمة: في هذه الحالة يوقف الجنون المحاكمة، و لا تستأنف إلا بعد شفاءه، حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه.

- وقوع الجنون بعد الحكم بالإدانة: في هذه الحالة يجب وقف تنفيذ العقوبة حتى يتم شفاء المجرم. و ذلك لكي تتحقق الأهداف المرجوة من العقوبة.

وبعد أن تطرقنا إلى الجنون نتطرق في الفرع الموالي إلى السكر ومدى مصداقيته في نفي المسؤولية الجزائية بإعتباره فعل قد يخلق مرتكبه سببه وهو متمتع بإرادة واعية وحــرة.

الفـرع الثالث: السكر.

نشير أولا إلى أن السكر الذي يكون مانعا للمسؤولية هو الذي يكون فيه من أقدم على تعاطيه جاهلا بطبيعة المادة التي تناولها، والآثار التي تنجم عنها، ويكون جهله هذا غير راجع لخطأ. ومعيار ذلك أن شخصا عاديا لو كان مكانه لوقع في ذات الغلط، أو أن يتناول المسكر أو المخدر تحت تأثير إكراه مادي، أو معنوي أو للعلاج.

ولم يرد في التشريع الجزائري نص يعتد بالسكر كمانع من موانع المسؤولية الجزائية إلا أن القواعد العامة توجب الاعتداد بالسكر الإجباري في نفي المسؤولية الجزائية.

و فيما يلي نتطرق لأحكام السكر:

أولا: تعــريف السكر.

هو حالة نفسية عارضة ومؤقتة، وهذه الحالة لا تصدر عن عارض مرضي أصيل لدى الشخص و إنما تنشأ نتيجة لتناوله مواد مخدرة، أو كحول، أو أي مادة أخرى تؤثر على إرادته وإدراكه. و لا عبرة بعد ذلك بشكل هذه المادة أو بطريقة تداولها.

وينتج عن السكر أنه يجعل الشخص غير قادر على إدراك الأفعال الصادرة عنه و تقدير النتائج المترتبة عليها. وعليه فان الشخص الخاضع لتأثير مواد مسكرة يمر بثلاثة مراحل.

فيكون بالمرحلة الأولى في حالة تهيج بسيط مصحوب بحالة من الانتعاش أو الحزن، وتظل قدراته الذهنية سليمة، أما في المرحلة الثانية فيزداد تهيجه ويرافق ذلك اختلال عضلي، وتصبح قدراته الذهنية ناقصة بشكل ملحوظ. و في المرحلة الأخيرة يصبح في مرحلة ما يسمى ” السكر السباتي ” ويكون في حالة انحطاط تام من الناحية العضوية، والنفسية لا يمكن معها إدراك تصرفاته و لا تقدير نتائجها، و السكر نوعان نتطرق إليهما فيما يلي:

ثانيا: أنواع السكر.

هناك نوعان من السكر سكر إختياري و سكر إضطراري.

1- السكر الاختياري:

يكون السكر إختياريا إذا اتجهت فيه نية الشخص بمحض إرادته الكاملة إلى تناوله المواد المسكرة و المخدرة لغير سبب وهو عالم بكافة الآثار التي تحدثها هذه المواد ومحل الاختيار هو فعل التناول ذاته. وكلما كانت الإرادة حرة أثناء التناول كان السكر إختياريا.

2- السكر الاضطراري:

يكون السكر إضطراريا إذا تناول الشخص المواد المسكرة دون علمه. أو تناولها بعلمه و لكن دون إرادته. وتتحقق الحالة الأولى في حالة ما إذا وقع في غلط من تلقاء نفسه فتناول هذه المواد جاهلا طبيعتها أو كان قد دسها له شخص آخر في طعام أو شراب، أما الحالة الثانية فتحقق في حالة ما إذا أخذها لضرورة علاجية، أو تناولها تحت تأثير إكراه معنوي كأن يتناول المادة المسكرة تحت التهديد بالسلاح، أو تحت تأثير إكراه معنوي كأن يكره شخص شخصا آخر على تناول المادة المسكرة و إلا قام بإيذاء ابنه المحجوز لديه.

بعد التعرف على أنواع السكر نتعرف فيما يلي على النوع الذي يكون مانعا للمسؤولية وبالضرورة شروط السكر المانع للمسؤولية.

ثالثا: شــروط السكر المــانع للمسؤولية.

لكي يكون السكر مانعا للمسؤولية يجب أن تتوفر شروط معينة، قد ورد تحديدها صراحة في القوانين التي تأخذ بالسكر الاضطراري كمانع للمسؤولية و يجب أن تكون الغيبوبة التي أصابت الفاعل وليدة تأثير تناول المواد المسكرة و المخدرة فقط حيث أنه إذا كانت ناشئة عن حالة تسمم داخلي مرجعه إفراز الجسم مواد سامة، و عجزه عن التخلص منها لا يعد في حالة سكر و إنما تلحق هذه الحالة بالاختلاف العقلي. و شروط السكر المانع للمسؤولية هي:

1- حالة السكر الكــامل.

يشترط لانتفاء المسؤولية الجزائية بالسكر أن يكون فقد الشعور تاما مما يؤدي إلى العجز عن الإدراك و التمييز. و بذلك تنعدم حرية الاختيار و يصبح غير قادر على السيطرة و التحكم في تصرفاته.

وإثبات حالة السكر، و توافر كمية المادة المسكرة أو المخدرة في الدم يتم بواسطة الفحوص الطبية و المخبرية. و يعود تقدير ذلك إلى قاضي الموضوع دون رقابة تمارسها عليه المحكمة العليا.

2- الصفة الاضطرارية للسكر.

يجب أن يكون الشخص قد تناول المادة المسكرة أو المخدرة قهرا عنه أو على غير علم منه بها سواء كان القهر لإكراه مادي أو معنوي أو كان عدم العلم للجهل بماهية الشيء أو نتيجة غلط وقع فيه بشأنها. فمن تناول مادة مخدرة أو مسكرة مختارا، أو عن علم بحقيقة أمرها يكون مسئولا عن الجرائم التي تقع منه وهو تحت تأثرها فالقانون في هذه الحالة يجري عليه حكم المدرك التام الإدراك مما يبنى عليه توافر القصد الجنائي العام.

3- تـزامن فقدان الوعي بسبب السكر مع ارتكاب الجريمة.

يجب أن يرتكب الفاعل السلوك الإجرامي أثناء حالة فقدان الوعي الناتج عن تناول المادة المسكرة. فالعبرة بفقد الاختيار وقت ارتكاب الجريمة. فإذا وقعت الجريمة قبل تناول المادة المسكرة أو بعد زوال أثارها تحققت المسؤولية الجزائية.

ومما سبق ذكره نستنتج أن السكر الاضطراري المتضمن لفقدان الوعي و الإرادة على النحو السابق يمكن الاحتجاج به كصورة من صور دفع المسؤولية الجزائية، و ما يدعم ذلك هو تنبيه من طرف عدة تشريعات كمانع للمسؤولية الجزائية، و من بين هذه التشريعات نذكر قانون العقوبات اللبناني و قانون العقوبات السوري و قانون العقوبات الأردني.

وبعد أن تطرقنا لحكم السكر الاضطراري، و عرفنا أنه يكون مانعا للمسؤولية وما ذلك إلا تطبيق للقواعد العامة التي تقضي بأن يسأل الشخص عن فعله إلا إذا قام به عن وعي وحرية اختيار، نتطرق فيما يلي إلى حكم السكر الاختياري في ضوء الشريعة الإسلامية والفقه وبعض التشريعات الوضعية.

رابعا: المسؤولية في السكر الاختياري.

1- في الشريعة الإسلامية:

في الشريعة الإسلامية يسأل السكران مدنيا عن أفعاله سواء كان السكر اختياريا
أو اضطراريا. فالسكر الإختياري لا ينف المسؤولية جزائية كانت أو مدنية، لان خطأ الفاعل في تناوله المحرم هو الذي ترتب عليه إلحاق الضرر بالغير فيلتزم بتعويضه. أما السكر الاضطراري فيقتصر تأثيره على نفي المسؤولية الجزائية و لا تأثير له في المسؤولية المدنية، و أساس ذلك أن الدماء و الأموال محرم المساس بها طبقا للقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية.

2- في الفقه.

لقد أثارت مسؤولية من يرتكب جريمة و هو في حالة سكر نقاشا فقهيا، حيث ذهب أنصار المذهب التقليدي في بداية الأمر إلى أن الجرائم التي ترتكب تحت تأثير السكر لا تشكل إلا جرائم عدم احتياط، و ذلك اعتبارا لما يسببه السكر من انعدام وعي يؤدي إلى محو القصد الجنائي. و إذا كان يمكن مساءلة السكران عن خطئه في تناول المادة المسكرة لدرجة أفقدته الوعي، فليس من المقبول أن يسأل عن الأفعال التي أتاها بعد أن أفقده السكر وعيه و إدراكه.
و قد تطور الموقف بعد ذلك تحت تأثير الأحكام الجديدة التي جاءت بها مدرسة الدفاع الاجتماعي فيري أنصاره ضرورة مساءلة السكران باختياره عن جميع الجرائم التي يرتكبها شأنه في ذلك شأن الشخص العادي، وقد أسس هذا الاتجاه مسؤولية السكران باختياره على أساس نظرية القصد المحتمل إذ كان باستطاعته ومن واجبه أن يتوقع النتائج الإجرامية المحتملة لتناوله المادة المسكرة، ومن ثم يتعين عليه تحمل هذه النتائج.

3- في التشريعات.

هناك بعض التشريعات لم تتعرض لمسؤولية السكران اختياريا سواء كان ذلك بنص
صريح أو ضمني، و هناك تشريعات أخرى نصت بصراحة على المسؤولية في السكر الاختياري، و هناك تشريعات أخرى تضمنت نصوصا ضمنية تتحدث على مسؤولية السكران إختياريا نتعرض إليها كما يلي:

أ- تشريعات لم تنص على مسؤولية السكران اختياريا: ومن هذه التشريعات قانون العقوبات الفرنسي لسنة 1810 الذي ترك مسألة تأثير السكر الإختياري في المسؤولية الجزائية لإجتهاد الفقه و القضاء. و يعالج الفقه الفرنسي موضوع السكر الإختياري بمناسبة الكلام عن موانع المسؤولية تحت عنوان ” الحالات المجاورة للجنون ” على إعتبار أن السكر الاختياري يؤدي إلى اضطراب عارض في القوى الذهنية.

ورغم إختلاف الفقه و تردد القضاء، لم يحسم قانون العقوبات الفرنسي الجديد لسنة 1992 هذا الخلاف بنص صريح، و قد يكون ذلك من المؤشرات على أن المشرع الفرنسي لا يرى إمتناع المسؤولية بالسكر الإختياري، لأنه بعدم النص عليه يعني ذلك أنه ليس مانعا من موانع المسؤولية.

ب- تشريعات نصت صراحة على علي مسؤولية السكران إختياريا:

و نذكر من هذه التشريعات قانون العقوبات الإيطالي، و الهندي و الليبي هذا الأخير الذي بنص في المادة 90 منه « لا يحول السكر الاختياري دون مسؤولية الفاعل و لا ينقصها » و هو نص قاطع و صريح في نفي تأثير السكر الإرادي في مسؤولية الفاعل و ينص كذلك قانون العقوبات اللبناني على مسؤوليته السكران باختياره عن الجرائم التي يرتكبها سواء العمدية أو غير العمدية.

جـ- تشريعات نصت ضمنيا على مسؤولية السكران اختياريا:

من هذه التشريعات أغلب القوانين العربية، و قانون العقوبات المصري. فهذه القوانين تقرر صراحة امتناع مسؤولية السكران بغير اختيار. و يستفاد من هذا الحكم بمفهوم المخالفة أن السكران باختياره يسال عن الجرائم التي يرتكبها و هو تأثير المادة المسكرة.

أما عن موقف المشرع الجزائري فلم ينص على السكر ضمن موانع المسؤولية سواء كان سكرا اضطراريا أو اختياريا. و من ثم يعاقب بالعقوبات المقررة قانونا كل من ارتكب جريمة وهو في حالة سكر بصرف النظر عن طبيعة الجريمة المرتكبة سواء تعلقت بالمرور أو القانون العام. بل يعد السكر و تأثير المخدرات من الظروف المشددة للجريمة كما هو الحال في جرائم القتل أو الجرح الخطأ حسب المادة 290 قاع، و كذلك حالة سياقة مركبة في حالة سكر أو تحت تأثير مخدر على أن تعادل نسبة الكحول في الدم أو تزيد عن 0.10 غ ‰.

وبعد أن تطرقنا في هذا المطلب لموانع المسؤولية بسبب انعدام الأهلية نتطرق في المطلب الثاني لموانع المسؤولية بسبب انعدام حرية الاختيار.

المطلب الثاني: موانع المسؤولية بسبب انعدام حرية الاختيار.

قد يصاب الفاعل بفقد الاختيار، وهذا الفقد لا يرجع هنا إلى فقدانه ملكاته العقلية
أو لصغر سنه، وإصابته بجنون، أو لأنه في حالة سكر. وإنما يصاب بهذا الفقد وهو في كامل قدرته على الإدراك و فهم الأمور والتمييز بين ما هو مجرم وغير مجرم إنما يرجع هذا الفقد إما إلى حالة الضرورة التي وضع فيها الفاعل رغما عنه أو لحالة من حالات الإكراه التي قد يصاب بها الفاعل سواء كان إكراها ماديا، أو معنويا ونتعرض فيما يلي لهاتين الحالتين على التوالي:

الفرع الأول: حالة الضرورة.

هي حالة تعرض الشخص لضرر جسيم لا سبيل لدفعه إلا بارتكابه لفعل محظور
أو فعل مجرم قانونا. أي أن الضرورة هي الجريمة التي يرتكبها شخص لوقاية نفسه
أو نفس غيره من خطر جسيم محدقا به.

ويعرفها الدكتور رمسيس بهنام على أنها « وضع مادي للأمور ينشأ بفعل الطبيعة
أو بفعل إنساني موجه إلى الغير، وينذر بضرر جسيم على النفس، يتطلب دفعه ارتكاب جريمة على إنسان بريء ».

والضرر الجسيم على النفس، إذ ترتكب الجريمة على إنسان برئ في سبيل درئه، يستوي فيه أن يكون مهددا ذات الشخص الذي ارتكب هذه الجريمة، أو أن يكون مهددا شخصا آخر غيره.

وبعد معرفة المفهوم العام لحالة الضرورة نحاول فيما يلي تعريفها من خلال التطرق إلى أساس انتفاء المسؤولية في حالة الضرورة، والتفرقة بين حالة الضرورة والدفاع الشرعي من جهة، وحالة الضرورة و الإكراه من جهة أخرى.

أولا: تعريف حالة الضرورة.

لم تكن حالة الضرورة محل نقاش في الفقه الجزائري ولكن نالت حقها من النقاش في الفقه الفرنسي الذي يقر في غالبيته بعدم العقاب في حالة الضرورة غير أنه إختلف حول أساس إنتفاء المسؤولية كالآتي:

1- أساس إنتفاء المسؤولية في حالة الضرورة:

إنقسم الفقه الفرنسي حول مسألة عدم العقاب في حالة الضرورة عموما إلى فريقين:

فريق يؤسسه على إعتبارات ذاتية، و فريق يؤسسه على إعتبارات موضوعية. أما الفريق الأول فقد بني بعضه إنتفاء المسؤولية على أساس الإكراه المعنوي. وإذا كان هذا صحيحا في حالة ما إذا كان الخطر محدقا بشخص الفاعل أو بماله فانه لا يصلح في حالة ما إذا كان الخطر محدقا بالغير أو بماله.

فيما ذهب البعض إلى أن الضرورة تنفي القصد الجنائي، غير أن هذا التبرير مردود لما فيه من خلط بين القصد، والدافع. كما أن القصد الجنائي غير متوفر أساسا في الجرائم غير العمدية.

وأما الفريق الثاني وهو الغالب في فرنسا، فقد برر انتفاء المسؤولية عن الجريمة المرتكبة في حالة الضرورة على اعتبارات موضوعية، حيث يرى هذا الفريق أن حالة الضرورة هي مثل حالة الدفاع سببا من أسباب الإباحة مؤسسا على مصلحة المجتمع إذ ليس في مصلحة المجتمع تسليط العقوبة على مرتكب الجريمة في حالة ما إذا كان المال المضحى به أقل قيمة من المال المحمي، و في ذلك معنى الموازنة بين مصلحتين.

وهذا ما أخذ به القضاء الفرنسي و كرسه قانون العقوبات الجديد الصادر سنة 1992 حيث أقرت المادة 122/7 منه على أن حالة الضرورة سببا لانتفاء المسؤولية و تجدر الإشارة إلى أن المشرع الجزائري لم يأخذ بحالة الضرورة كسبب عام للإباحة أو لانتفاء المسؤولية، و مع ذلك فقد نصت المادة 308 من قانون العقوبات على إباحة إجهاض الحامل إذا كان ضروريا لإنقاذ حياة الأم من الخطر.

2- الفرق بين حالة الضرورة و الحالات المشابهة:

أ‌- حالة الضرورة و الدفاع الشرعي:

قد تشتبه حالة الضرورة بالدفاع الشرعي لكنها في الحقيقة تتميز عنه تماما، فهي مانع من موانع المسؤولية بينما الدفاع الشرعي سبب من أسباب الإباحة، لما بين أسباب الإباحة ذات الطبيعة الموضوعية، وموانع المسؤولية ذات الطبيعة الشخصية من فوارق وتتضح باقي الفوارق بينهما من خلال مقارنة الشروط اللازم توفرها لقيام كل حالة هي:

- إن الخطر الذي ينشئ حالة الضرورة يكون موجها ضد النفس فقط، اما حالة الدفاع الشرعي التي تبيح ارتكاب الجريمة دفعا لخطر يهدد النفس أو المال.

- مصدر الضرر المدفوع بجريمة مرتكبة في حالة دفاع شرعي هو دائما إنسان أما مصدر الضرر المدفوع بجريمة مرتكبة في حالة الضرورة قد يكون فعل الطبيعة، كأن يسرق شخص قاربا لإنقاذ شخص آخر رآه يغرق في عرض البحر.

- يلزم لقيام حالة الضرورة أن يكون الخطر جسيما بينما يكفي لقيام الدفاع الشرعي الخطر اليسير شرط أن يتناسب معه فعل الدفاع.

- الجريمة المركبة في حالة الدفاع الشرعي توجه ضد إنسان معتد بخلاف الجريمة المرتكبة في حالة الضرورة فهي توجه ضد إنسان برئ.

- الدفاع الشرعي يمحوا الجريمة فلا يجوز المطالبة بالتعويض المدني. أما في حالة الضرورة فيجوز المطالبة بالتعويض المدني المدني باعتبار أن حالة الضرورة تمنع المسؤولية الجزائية فقط.

وبالرغم من الفوارق الموجودة بين حالتي الدفاع الشرعي والضرورة إلا أن القاسم المشترك بينهما هو أن مرتكب الجريمة في كلتا الحالتين يقوم بسلوك يريد به توفي خطر حال على النفس. إضافة إلى المال في حالة الدفاع الشرعي.

ب‌- حــالة الضرورة و الإكراه.

بصفة عامة نقول أن سبب ارتكاب الفعل المجرم في حالة الضرورة ظروف يقتضي الخروج منها ذلك. لدرء خطر على نفس الشخص أو الغير. أما في حالة الإكراه فان سبب ارتكاب الفعل المجرم هو أمر المكره بالقيام بفعل جبرا لو كان في ظروف غير التي كان فيها لما قام به بالإضافة إلى فروقات أخرى نتطرق إليها كالآتي:

- تكون حالة الضرورة في غالب الأحيان من فعل الطبيعة في حين أن الإكراه لا يكون إلا فعلا لإنسان.

- جريمة الضرورة قد يسعى بها فاعلها إلى درء ضرر لا يهدده شخصيا و إنما يهدد الغير. أما الجريمة المرتكبة في حالة الإكراه تهدف إلى درء خطر يهدد المكره شخصيا.

- الخاضع للإكراه يحدد له السلوك المطلوب منه كي يتفادى الخطر المهدد به بخلاف من يوجد في حالة ضرورة لا يحدد له ذلك بل عليه أن يلحظ الظروف المحيطة به و يتصور وسيلة إجتناب الخطر .

وبالرغم من هذه الاختلافات نقول أنه في كل من حالة الضرورة و الإكراه تتجرد إرادة الفاعل من حرية الاختيار الذي لا يجد سبيلا للخلاص من الخطر المحدق به إلا بارتكاب الجريمة. و على هذا الوجه يدخل الإكراه في معنى الضرورة بمعناها العام فمن يوجد في حالة ضرورة هو مكره على الفعل الذي يخلصه منها.

وبعد تعريف حالة الضرورة نتطرق إلى الشروط الواجب توفرها فيها حتى يمكن القول بأنها تصلح لنفي المسؤولية الجزائية.



ثانيا: شروط حالة الضرورة.

لم يرد في القانون الجزائري نص خاص بحالة الضرورة و إنما نصت المادة 48 ق ع: « لا عقوبة على من اضطرته إلى ارتكاب الجريمة قوة لا قبل له بدفعها » وعبارة النص تنصرف أساسا إلى الإكراه المادي و لكن الفقه و القضاء الفرنسي توسع في تفسير النص المقابل في النص الفرنسي و هو مصدر النص الجزائري بحيث أدخلا في نطاقه الإكراه و حالة الضرورة و استمد منه شروطهما.

اذ تفترض جميع حالات الضرورة خطرا يهدد من يتعرض لها و فعلا يرتكب تحت تأثير التهديد به. و هناك شروط يجب أن تتوفر في الخطر. و شروط يتعين توافرها في الفعل المرتكب تحت تأثير التهديد به نتعرض إليها بهذا الترتيب كالآتي:

1- شـــروط الخطر.

مناط الضرورة هو فعل الخطر الحال الذي يهدد النفس تهديدا جسيما بشرط ألا يكون للشخص دخل في إحداث هذا الخطر وتبعا لذلك سندرس هذه الشروط كالآتي:

أ- خطر يهدد النفس: محل الخطر في حالة الضرورة هو النفس فلا تنتف مسؤولية من يدرأ خطرا محدقا بما له متذرعا بحالة الضرورة، والهدف من هذا التضييق هو كون الفعل المجرم – فعل المضطر – غالبا ما ينصب على شخص بريء لا يد له في حدوث الخطر.

ومفهوم النفس في حالة الضرورة هو نفسه في حالة الدفاع الشرعي، إذ تشمل كذلك سلامة الجسم و العرض و الشرف و الحرية و لا يشترط أن يكون الخطر واقعا على نفس المضطر بل تقوم حتى و لو وقع الخطر على نفس شخص آخر لا تربطه به علاقة.

ب- خطر جســيم: يجب لتوافر حالة الضرورة أن يكون الخطر جسيما، وينذر بحصول ضرر لا يمكن إصلاحه. ويبرر ذلك أن جريمة الضرورة تقع على بريء. فإذا كان الأذى ينجم عن الخطر ضئيلا، فانه لا يجوز الإعفاء من المسؤولية وجسامة الخطر تقدرها محكمة الموضوع وفقا لمعيار مجرد هو معيار الشخص العادي الذي يوجد في مثل ظروف المتهم.

ج ـ خطر حــال: وتتحقق هذه الحالة إذا كان الخطر وشيك الوقوع أي أن الخطر سيقع فعلا لو لم يبادر المضطر لدرئه، أو يكون قد بدأ و لكنه لم ينته بعد. و عليه إذا كان للمضطر وقت يستطيع من خلاله أن يتدبر الوسيلة التي تخلصه من الخطر دون ارتكاب الجريمة لا يكون له التمسك بحالة الضرورة لنفي مسؤوليته الجزائية، و يجب أن يكون الخطر غير مشروع، فإذا كان الخطر مشروعا كشخص حكم عليه بالإعدام فلا يجوز لآخر على تهريبه قبل تنفيذ العقوبة إحتجاجا بحالة الضرورة.

د- عدم تسبب المضطر في نشأة الخطر: وترجع العلة من هذا الشرط إلى أن الإنتقاص من حرية الاختيار يفترض أن المتهم قد فوجئ بحلول الخطر و لم يكن لديه وقت للتفكير بفعل يتجنب به الخطر سوى ارتكاب الجريمة. أما إذا كانت إرادة المتهم قد اتجهت إلى تحقيق الوضع المهدد بالخطر فمعنى ذلك أنه توقع حلوله وكان في استطاعته تجنبه بوسيلة على نحو لا يمس حقوق غيره. كمن يحرق عمدا مكانا ثم يضطر في سبيل الفرار من النيران إلى إصابة شخص إعترض طريقه.

وبعد معرفة شروط الخطر الموجب لفعل الضرورة نتطرق فيما يلي إلى شروط فعل الضرورة.

2- شروط فعل الضرورة.

فعل الضرورة هو ما يرتكبه الشخص ليدفع به خطرا حالا يهدد نفسه أو غيره على نحو جسيم و يشترط في فعل الضرورة أن يكون.

أ- لازمــا: لإمتناع المسؤولية الجزائية تمسكا بحالة الضرورة يجب أن يكون إرتكاب الجريمة لازما لدفع الخطر الذي يهدد الشخص في نفسه أو غيره.

ويقتضي هذا الشرط أن تنصب الجريمة على الخلاص من الضرر لا أن تتوجه للسبب المنشئ للخطر الذي قد لا يعد هو الوسيلة اللازمة لدفع الخطر.

على أن شخصا أغرق سفينة فليس لأحد الركاب التذرع بحالة الضرورة للإعتداء عليه لأن ذلك لا يعد وسيلة للخلاص من الخطر.

كما يتطلب هذا الشرط أن يكون فعل الضرورة هو الوسيلة الوحيدة للتخلص من الخطر فإذا كان يمكن دفع الخطر لوسيلة أخرى كالفرار، أو الاستعانة، أو ارتكاب فعل آخر لا يعد جريمة تبقى مسؤوليته الجزائية قائمة ولزوم الجريمة في حالة الضرورة أمر نسيبي لا مطلق بمعنى أنه يرجع فيه إلى التقدير الشخصي لفاعل الجريمة وإلى كونه مطابقا لتقدير الرجل العادي الموجود في نفس الظروف.

ب- متناسبا مع الخطر المهدد للشخص: يقتضي هذا الشرط أن يكون فعل الضرورة متناسبا مع الخطر المحدق بالشخص. فلا ضرورة كلما ثبت أنه بوسع المضطر أن يدرأ الخطر الذي يتهدده بجريمة أقل جسامة من الجريمة التي ارتكبها، لأن الضرورة تقدر بقدرها.

فإذا تجاوز الفاعل بجريمة القدر المناسب لدفع الخطر فانه يسأل عن قدر تجاوزه. وتقدير التناسب يرجع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع استنادا إلى معيار الشخص العادي إذا وجد في نفس الظروف و الملابسات التي أحاطت بالفاعل .

وبعد أن تطرقنا لشروط حالة الضرورة نتطرق فيما يلي للآثار التي ترتبها حالة الضرورة.

ثالثا: أثــار حــالة الضــرورة.

حالة الضرورة كغيرها من موانع المسؤولية لا ترتب أثارها إلا إذا تم إثباتها و إثبات حالة الضرورة يكون على عاتق من يدفع بها. و الدفع بتوافر حالة الضرورة من النظام العام يتعين على محكمة الموضوع إثارته من تلقاء نفسها إذا لم يثره الخصوم وتختلف أثار حالة الضرورة من المسؤولية الجزائية إلى المسؤولية المدنية، كما أنها تختلف بحسب ما إذا توافرت شروطها كاملة أو اختل أحدها و تبعا لذلك نتعرض لهذه العناصر كما يلي:

1- أثار حالة الضرورة في قيام المسؤولية.

أ- المسؤولية الجزائية: تتفق الأنظمة القانونية التي أخذت بحالة الضرورة على أن توافر حالة الضرورة يؤدي إلى عدم العقاب على العمل المرتكب سواء كان ذلك على أساس انعدام الجريمة بالنسبة للأنظمة القانونية التي تعتبر حالة الضرورة بسبب الإباحة أو على أساس انعدام الخطأ بالنسبة للأنظمة القانونية التي تعتبر حالة الضرورة مانعا للمسؤولية كما في قانون العقوبات الفرنسي لسنة 1992.

ب- المسؤولية المدنية: الأصل أن الفعل المرتكب من قبل من هو في حالة الضرورة لا يشكل خطأ و بالتالي لا يسأل مرتكبه مدنيا. غير أن الضحية في حالة الضرورة لم يرتكب أي خطأ مما أدى ببعض التشريعات التي أخذت بحالة الضرورة إلى إقرار تعويض الضحية على أساس الإثراء بلا سبب.

و تنص المادة( 130 ق ا م )على أنه « من سبب ضررا للغير ليتفادى ضررا أكبر محدقا به أو بغيره لا يكون ملزما إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسبا »
و يتبين من هذا النص أن الشخص الذي حملته الظروف المحيطة به على الإضرار بالغير حتى يتجنب ضررا أكبر محدقا به بغيره يلتزم بالتعويض الذي يراه القاضي من
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 

محاضرات في المسؤولية الجنائية / السنة اولى ماستر حقوق ل م د تخصص قانون جنائي الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى العلوم القانونية و الإدارية :: قسم ما بعد التدرج :: منتدي الماستر MASTER"-"
منتدى العلوم القانونية و الإدارية :: قسم ما بعد التدرج :: منتدي الماستر MASTER"+"